اسماعيل بن محمد القونوي

349

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

وسائر دواع الزنى وقتل النفس صغير بالنسبة إلى الشرك وكبير بالنسبة إلى ما تحته وقد صرح به المص في قوله تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [ النساء : 31 ] الآية فالمراد صغار بالنسبة إلى الكفر بآيات اللّه وقتل الأنبياء معاذ اللّه وفي التعبير إيذان بأن ما ارتكبوه كبير بحت لا كبيرة فوقه وأما ما عداه فله جهتان كونه صغيرا وكبيرا وفي قوله صغار الذنوب ( سبب يؤدي إلى ارتكاب كبارها ) تنبيه على أن مجموع صغار الذنوب سبب واحد لا كبر الكبائر وأما الطاعات فكل واحدة من صغارها سبب مستقل لكبارها تفضلا من اللّه تعالى على عباده ولطفا بهم . قوله : ( كما أن صغار الطاعات أسباب مؤدية إلى تحري كبارها ) . قوله : ( وقيل كرر الإشارة ) أي أن ذلك الثاني إشارة إلى ما أشير إليه بذلك الأول بعينه فيكون المقصود بيان سبب آخر مرضه لأنه لو كان كذلك لدخول الواو في ذلك الثاني لئلا يتوهم الإضراب ولشيوع العطف في بيان الأسباب المتعددة ولأن بيان سببية ارتكاب سائر المعاصي بعد بيان سببية الكفر وقتل الأنبياء لا يعرف له وجه حسن ولو عكس لظهر سلاسته وفي هذا الوجه أيضا الباء للسببية كما أشار إليه لكن الاعتداء هنا يراد به الاعتداء في حدود اللّه لا التمادي في المعاصي ومغايرة هذا الوجه للأول من وجهين الأول إن ذلك الثاني إشارة إلى الكفر وقتل الأنبياء وفي هذا الوجه إشارة إلى ما أشير إليه بذلك الأول والمراد بالاعتداء في الأول التمادي في المعاصي وفي الثاني التجاوز عن حدود اللّه ( للدلالة قوله : وقيل كرر الإشارة الخ قال بعض الأفاضل إن في الآية اسمي إشارة وباءين واسم الإشارة الثانية إما أن يكون تكرارا للأولى أو لا وعلى كل من التقديرين كل واحدة من الباءين إما أن تكون سببية أو بمعنى مع وإما أن تكون الأولى بمعنى مع والثانية للسببية أو بالعكس فإن كانت الإشارة الثانية تكرارا للأولى فلا يجوز أن تكون الباءان سببيتين كيلا يتوارد سببان على مسبب واحد بالشخص ولا أن تكونا بمعنى مع لئلا يبقى المشار إليه بذلك في الموضعين بلا سبب ولا يجوز أن تكون الأولى سببية والثانية بمعنى مع لأن الكفر وقتل الأنبياء تامان في كونهما سببين للذلة والمسكنة والبوء بالغضب فيستغنى بهما في السببية عن غيرهما فتعين أن تكون الأولى بمعنى مع والثانية للسببية وتقديره تلك الذلة والمسكنة والبوء بغضب من اللّه بسبب ارتكابهم أنواع المعاصي واعتدائهم حدود اللّه مع كفرهم بآيات اللّه وقتلهم الأنبياء بغير حق فإن العصيان والاعتداء في الحدود ليسا كالكفر وقتل الأنبياء في الاستقلال بالسببية فضما إليهما تكميلا لهما في السببية وإن لم يكن تكرارا للأولى بل يكون إشارة إلى الكفر وقتل الأنبياء كانت الباء الأولى للسببية لا غير وفي الثانية جاز الأمران ومعناه على السببية ذلك أي الكفر والقتل بسبب عصيانهم واعتدائهم لأنهم انهمكوا فيهما وغلوا حتى قست قلوبهم فجسروا على جحود الآيات وقتل الأنبياء ومعناه على المعية ذلك الكفر والقتل مع ما عصوا فذلك مبتدأ ومع ما عصوا خبره أي كفرهم وقتلهم الأنبياء مقرون بأنواع المعاصي والاعتداء في الحدود كأنه قيل ضربت عليهم الذلة والمسكنة لأنهم كفروا وقتلوا وما اكتفوا بهما بل ضموا إليهما العصيان والاعتداء قيل فعلى هذا هو كقوله كأنه علم في رأسه نار .